الجصاص

384

أحكام القرآن

في إباء أحد الزوجين اللعان قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد : " أيهما نكل عن اللعان حبس حتى يلاعن " . وقال مالك والحسن بن صالح والليث والشافعي : " أيهما نكل حد ، إن نكل الرجل حد للقذف وإن نكلت هي حدت للزنا " . وروى معاذ بن معاذ عن أشعث عن الحسن في الرجل يلاعن وتأبى المرأة قال : " تحبس " . وعن مكحول والضحاك والشعبي : " إذا لاعن وأبت أن تلاعن رجمت " . قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) [ النساء : 15 ] ، وقال : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء : " ائتني بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك " ، ورد النبي صلى الله عليه وسلم ما عزا والغامدية كل واحد منهما حتى أقر أربع مرات بالزنا ثم رجمهما ، فثبت أنه لا يجوز إيجاب الحد عليها بترك اللعان لأنه ليس ببينة ولا إقرار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان وكفر بعد إيما وقتل نفس بغير نفس " ، فنفى وجوب القتل إلا بما ذكر ، والنكول عن اللعان خارج عن ذلك فلا يجب رجمها ، وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن لأن أحدا لم يفرق بينهما . فإن قيل : قوله : " امرئ مسلم " إنما يتناول الرجل دون المرأة . قيل له : ليس كذلك ، لأنه لا خلاف أن المرأة مرادة بذلك وأن هذا الحكم عام فيهما جميعا ، وأيضا فإن ذلك للجنس كقوله : ( إن امرؤ هلك ليس له ولد ) [ النساء : 176 ] ، وقوله : ( يوم يفر المرء من أخيه ) [ عبس : 34 ] . وأيضا لا خلاف أن الدم لا يستحق بالنكول في سائر الدعاوى ، وكذلك سائر الحدود ، فكان في اللعان أولى أن لا يستحق . فإن قيل : لما قال تعالى : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ، وهو يعني حد الزنا ، ثم قال : ( ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله ) ، فعرفه بالألف واللام ، علمنا أن المراد هو العذاب المذكور في قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) . قيل له : ليست هذه قصة واحدة ولا حكما واحدا حتى يلزمه فيه ما قلت ، لأن أول السورة إنما هي في بيان حكم الزانيين ثم حكم القاذف ، وقد كان ذلك حكما ثابتا في قاذف الزوجات والأجنبيات جاريا على عمومه إلى أن نسخ عن قاذف الزوجات باللعان ، وليس في ذكره العذاب وهو يريد به حد الزنا في موضع ثم ذكر العذاب بالألف واللام في غيره ما يوجبه أن العذاب المذكور في لعان الزوجين هو المذكور في الزانيين ، إذ ليس يختص